|
والمرج على صغرها، مدينة عريقة تجري في عروقها دماء حضارات عظيمة، وشهدت
فترات ازدهار كبير كما شهدت كوارث وأهوالاً ليس لها مثيل، لكنها ظلت صامدة
تنبض بالحياة منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة.
أسمها القديم هو برقا أو برقة، وكان أهلها من "الليبو" أهل ليبيا القدماء
الذين اشتهروا بعلاقاتهم الوطيدة والمعقدة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً مع
الفراعنة المصرين وساهموا هم وسكان المدن الليبية القديمة في هذه المنطقة،
في الحضارة المصرية مساهمة فاعلة، وكانت إحدى الأسر الفرعونية التي حكمت
مصر منهم. سماها الإغريق (( باركا أو بارتشي ))
حين استوطنوها اعتباراً من القرن
السابع قبل الميلاد ، وكانت مركزاً ثقافياً وتجارياً مهماً، وكان أبناؤها مقاتلين
أشداء ورياضيين يشتركون في الألعاب الأولمبية الإغريقية كل عام ويفوزون
بالجوائز والكؤوس التي وُجد بعضاً منها في القبور الأثرية المكتشفة فيها. وقد تعرضت
المدينة في العصر البطلمي العام 510 قبل الميلاد إلى مذبحة شنيعة تحدث عنها هيرودتس أبو التاريخ في كتابه مطولاً، فقد حاصرها الفرس وقاموا بذبح أكثر
أبنائُها رجالاً ونساءً وأطفالاً، وأخذوا الباقون أسرى إلى بلاد فارس حيث أسسوا
مدينة صغيرة لهم سمّوها برقة أيضاً إحياء لمدينتهم الأم. ولكن المرج سرعان ما
استردت عافيتها واستعادت نفوذها السياسي والاقتصادي الذي حاربت من أجله القرطاجيون وانتصرت عليهم. ثم تعرضت للغزو بعد وفاة الإسكندر الأكبر، وقد
تمكنت من دحر الغزاة بمساعدة المدن البرقاوية الأخرى. ومرت على المدينة فترات
من الأزمات والحروب والصراعات السياسية بين البطالمة في مصر والإغريق وغيرهم
حتى جاء الرومان ليستوطنوها في القرن الثاني قبل الميلاد ويسيطروا على
مواردها وثرواتها. وإلى هذا العهد يرجع اختفاء نبات السيلفيوم الأسطوري الذي
كان ينمو في أرض برقة، وتنسب له قدرة غريبة على شفاء الأمراض، حيث احتكر
الرومان جنيه وتصديره ومنعوا أهالي برقة من الانتفاع به، ومارسوا من أجل
الحصول عليه ممارسات غاية في القسوة أدت إلى تدميره وانقراضه.
تضررت المرج كثيراً إبان الحكم الروماني نتيجة للحروب والسياسات
الاقتصادية المتعسفة، وقد دمرت مرات عديدة، لكنها عادت إلى الازدهار مرة أخرى
حوالي القرن السادس الميلادي، ولم تلبث أن أدركها الفتح الإسلامي بقيادة عمرو
بن العاص في عهد عمر بن الخطاب، بعد معركة طاحنة ضد الرومان. وقد شارك في
فتحها عدد من كبار الصحابة، منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن أبي سرح وعبد
الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس ابن عم الرسول صلى الله
عليه وسلم وغيرهم، وتتحدث المصادر التاريخية عن أن المدينة احتضنت أكثر من
ثلاثة وثلاثين صحابياً وعدداً كبيراً من التابعين. وقد تحولت المدينة في العهد
الإسلامي إلى منارة علمية وصارت مركزاً تجارياً وثقافياً، وقاعدة كبرى لانطلاق
الجيوش الإسلامية لفتح المغرب العربي وبلاد الأندلس. ثم تعاقبت عليها الدول
والإمارات، واستقر بها المعز الفاطمي قبل الانتقال إلى مصر ومازالت بقايا
قصره فيها. وفي هذه العصور صارت المرج طريقاً لهجرة القبائل العربية إلى
المغرب منها قبيلة بني هلال الذين استقروا فيها قليلاً إبان تغريبتهم، وعاشت
المدينة معهم مواقف وأحداث ذكرتها السيرة الشعبية المعروفة. غير أن أهم محطات
مدينة المرج التاريخية أنها أصبحت مستقرا لقبيلة سُليم العربية المشهورة، ومن
هنا يجد الزائر لهذه المدينة أن لهجة أهلها قريبة من العربية الفصيحة وفيها
الكثير من المفردات التي نقرؤها في الشعر العربي القديم.
في العصر الحديث تعرضت المدينة للاحتلال الإيطالي واغتصبت أراضيها الزراعية
وثرواتها وحاول الطليان مسخ هويتها فاستجلبوا المستوطنين إليها بعد أن طردوا
أهلها وأهالي المناطق المجاورة في الجبل الأخضر. ومن أرضها؛ من زاوية القصور
القريبة منها، انطلقت ثورة عمر المختار شيخ المجاهدين الذي قاد معارك ضارية
ضد المحتلين طوال أكثر من عشرة أعوام، و نهضت المدينة بالعبء الأكبر في دعم
المجاهدين وتحملت الكثير من تنكيل المحتلين وقدمت الشهداء تلو الشهداء على
درب الحرية. وبالقرب منها جرت المعركة الأخيرة التي أسر فيها عمر المختار
وأعدم في بلدة سلوق في 16/9/1931، وفيها قبره رحمه الله.
في عام 1970 ف تم تسليم المدينة الحديثة لأهلها الذين دمر الزلزال بيوتهم،
وشهدت المدينة توسعا كبيرا في أحيائها ومرافقها منذ ذلك الوقت وهي آخذة في
النمو والتوسع. وهناك الكثير من الخطط والمشاريع التي يجري تنفيذها لتطوير
المدينة.
|